السياسة الخارجية للولايات المتحدة من منظور عام

المقال
بدأت السياسة الخارجية للولايات المتحدة قبل تأسيس الدولة، عندما مارس بنجامين فرانكلين الدبلوماسية أثناء محاولته التفاوض على السلام مع بريطانيا العظمى لتجنب اندلاع الحرب الثورية. لاحقًا، أنشأ القادة الأمريكيون مواد الاتحاد (Articles of Confederation)، التي أسست الحكومة الجديدة للولايات المتحدة. كما تم تأسيس وزارة الشؤون الخارجية، المعروفة اليوم باسم وزارة الخارجية، عام 1789.في البدايات، اختار القادة الأمريكيون إبقاء البلاد بعيدة سياسيًا عن الدول الأخرى. وبينما كانت دول أخرى تخوض الحروب، التزمت الولايات المتحدة بالحياد. وكما أوضح الرئيس جورج واشنطن في خطاب وداعه، كان من الأفضل للولايات المتحدة تجنب التفاعلات السياسية مع الدول الأخرى. ومع ذلك، لم يستمر هذا النهج لفترة طويلة. ففي عام 1803، ساعدت وزارة الخارجية في التفاوض على صفقة شراء لويزيانا، التي نقلت السيطرة على جزء كبير من وسط أمريكا الشمالية من فرنسا إلى الولايات المتحدة. ولاحقًا، أدت نزاعات أخرى مع دول مختلفة إلى زيادة مساحة البلاد، لكن القادة الأمريكيين ظلوا يرغبون في الحفاظ على مسافة سياسية عن الدول الأجنبية. وفي عام 1823، لخّص مبدأ مونرو الفلسفة الجديدة للبلاد ونواياها: لن تسمح الولايات المتحدة بمزيد من الاستعمار في نصف الكرة الغربي، ولن تتدخل في الشؤون الأوروبية، ولن تقبل بأي تدخل أجنبي في شؤونها. تسم هذا النهج بالسياسة الخارجية الأمريكية لمدة تقارب قرنًا من الزمن. غير أن التوترات القريبة من الوطن غيّرت الأمور. ففي عام 1898، دعمت الولايات المتحدة المقاتلين الكوبيين الساعين للاستقلال عن إسبانيا. ولم تُنهِ معاهدة باريس عام 1898 الحرب فحسب، تاركةً كوبا دولة حرة، بل منحت الولايات المتحدة أيضًا السيطرة على غوام والفلبين وبورتوريكو. وقد جعلت هذه المكاسب الولايات المتحدة قوة عالمية، مما استدعى تكيّف سياستها الخارجية مع وضعها الجديد. فعلى سبيل المثال، أدى وجودها في الفلبين إلى اقتراب مصالحها من آسيا، وخاصة الصين، حيث كانت العديد من الدول الأوروبية تسعى لزيادة تجارتها. لذلك اقترحت الولايات المتحدة سياسة التجارة الحرة في الصين، المعروفة بسياسة الباب المفتوح. أجرى الرئيس ثيودور روزفلت تغييرًا كبيرًا على سياسة عدم التدخل التي حددها مبدأ مونرو. ففي متمم روزفلت عام 1904، طرح فكرة أن "أمة متحضرة ما" يمكنها التدخل في دول أمريكا اللاتينية إذا ارتكبت "أخطاء مزمنة" أو فشلت في الحفاظ على مجتمع منظم. وأضاف أن التزام الولايات المتحدة بمبدأ مونرو في نصف الكرة الغربي قد يفرض عليها، وإن على مضض، ممارسة دور "شرطي دولي" في حالات واضحة من الفوضى أو العجز. وجلب القرن العشرون تحديات جديدة لسياسة الحياد الأمريكية في النزاعات الخارجية. فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 بين دول الحلفاء (بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا واليابان، ولاحقًا إيطاليا) ودول المحور (ألمانيا والنمسا-المجر وتركيا). ورغم تأكيد الولايات المتحدة على حيادها، اضطرت إلى إعادة النظر عندما استهدفت الغواصات الألمانية المصالح البحرية الأمريكية مرارًا. وفي عام 1917، دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء. وبعدها، اعتقد الرئيس وودرو ويلسون أن بإمكان أمريكا التوسط لتحقيق السلام، لكن البلاد عادت عمومًا إلى سياسة العزلة. وعلى الرغم من بقاء الولايات المتحدة محايدة في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، فقد باعت بريطانيا مدمرات مقابل الحصول على قواعد في المحيط الأطلسي، ثم قدمت لاحقًا مساعدات اقتصادية لكل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي. وكان الرأي العام الأمريكي يميل إلى العزلة، رغم تصاعد الفظائع ضد اليهود في أوروبا. ومع أن الولايات المتحدة كانت قادرة على استقبال المزيد من اللاجئين السياسيين، عارض الجمهور ذلك مفضّلًا التركيز على الشؤون الداخلية. تغيّر هذا الموقف في 7 ديسمبر 1941، عندما هاجمت اليابان بيرل هاربر، فدخلت الولايات المتحدة الحرب بسرعة ولعبت دورًا رئيسيًا في إعادة بناء أوروبا بعد انتهائها. وشهدت السياسة الخارجية الأمريكية نقطة تحول أخرى خلال الحرب الباردة. فقد طرح الرئيس هاري ترومان "مبدأ ترومان"، طالبًا من الكونغرس تقديم مساعدات اقتصادية لليونان وتركيا لمنع سقوطهما بسبب الاضطرابات الداخلية، ثم امتدت هذه المساعدات إلى أوروبا. وهكذا تحولت الولايات المتحدة من دولة تميل إلى العزلة إلى طرف فاعل في الشؤون الدولية، خاصة في دعم الاقتصاد الحر عالميًا. وفي العصر الحديث، أدت المصالح الاقتصادية الأمريكية إلى انخراط كبير في شؤون الشرق الأوسط، كما تشمل السياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين مكافحة الإرهاب.
ملخص هوكاندوڤ
تطورت السياسة الخارجية للولايات المتحدة عبر مدى طويل بدأ قبل تأسيس الدولة، حين سعى القادة الأوائل مثل بنجامين فرانكلين إلى تجنب الحروب من خلال الدبلوماسية. وفي بداياتها، تبنّت الولايات المتحدة سياسة العزلة والحياد، مفضّلة الابتعاد عن الصراعات الدولية كما أوصى جورج واشنطن، ومركّزة على بناء الداخل. لكن مع توسّعها الجغرافي، مثل شراء لويزيانا، بدأت هذه السياسة تتغير تدريجيًا. وجاءت نهاية القرن التاسع عشر لتشكّل نقطة تحول، حيث أصبحت الولايات المتحدة قوة عالمية بعد حربها مع إسبانيا، وبدأت تنخرط بشكل أوسع في الشؤون الدولية، كما ظهر في سياسات مثل “الباب المفتوح” في الصين.
ومع دخول القرن العشرين، تراجع نهج العزلة أكثر، خاصة مع مشاركة الولايات المتحدة في الحربين العالميتين، ثم ازداد دورها العالمي خلال الحرب الباردة من خلال دعم دول أخرى ومواجهة الشيوعية، ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في السياسة الدولية. وفي العصر الحديث، اتسع هذا الدور ليشمل تدخلات مرتبطة بالمصالح الاقتصادية، خاصة في الشرق الأوسط، إلى جانب التركيز على مكافحة الإرهاب. وفي الوقت نفسه، تؤكد بعض النصوص على أهمية بقاء النقاش حول السياسة الخارجية مفتوحًا وعدم اعتباره خيانة، وعلى ضرورة أن تستند هذه السياسة إلى قيم أخلاقية مثل الصدق والتعاون والسعي إلى السلام العالمي. وبذلك، يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية انتقلت من العزلة إلى الانخراط العالمي الواسع، وسط جدل مستمر حول أهدافها ووسائلها.
كما أن إدارة الأزمات تتطلب إجراءات حازمة وباردة، بل وقاسية أحيانًا لإظهار العزم، فإنها تفرض أيضًا ضرورة إتاحة مخرج للخصم. إن الاستعراض والمبالغة في إظهار القوة قد يرضيان الأنا، لكنهما يضران بالسياسة الخارجية. حروب كثيرة كُثر اندلعت لأنه ليس هناك طريق للانسحاب.
هنري كسنجر



